المقالات الزراعية

الزراعة في غزة تحت الحصار: “سلّة الغذاء” بين الدمار والجوع

📻 راديو الرباع – تقرير خاص

🎙️ الزراعة في غزة تحت الحصار: “سلّة الغذاء” بين الدمار والجوع

وسط حرب شرسة، تبدو أرض قطاع غزة وكأنها لم تعد قادرة على التنفّس. فالزراعة، التي لطالما شكّلت العمود الفقري للأمن الغذائي الفلسطيني، تواجه تدميرًا ممنهجًا حوّل رغيف الخبز إلى حلم، والبذور إلى أمنية بعيدة.

قال محمود فؤاد مصباح، رئيس الجمعية الزراعية التنموية ورئيس اتحاد المزارعين في المحافظة الوسطى:
“نحن مستعدون للتعاون مع أي جهة محلية أو دولية راغبة في دعم القطاع الزراعي، الذي يُعتبر سلّة غذاء فلسطين وركيزة أساسية لصمود الفلسطينيين في مواجهة الجوع وسياسات الحصار.”

رغم الجهود المستمرة للجمعية لتقييم احتياجات المزارعين ووضع خطط للتعافي، تستمر التحديات الكارثية في تقويض كل أمل متبقٍ. فقد أدى إغلاق المعابر، وحظر دخول الموارد الأساسية، والسيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من الأراضي إلى تعميق الأزمة بشكل كبير.

“نكبة” للزراعة

وصف المهندس ياسر العويدات، رئيس اللجنة الطارئة للمحافظات الجنوبية بوزارة الزراعة، الوضع الحالي بأنه “نكبة زراعية”. وأوضح أن 70–80% من أراضي غزة كانت قبل الحرب أراضيًا زراعية، بينما لا يبقى اليوم سوى 6% صالحة للزراعة، وفقًا لمنظمات دولية.

وأضاف العويدات أن الاحتلال دمّر البيوت البلاستيكية والمزارع الحدودية، مما حرم القطاع من الاكتفاء الذاتي وأجبره على استيراد الخضار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق. وقال:
“الدمار لم يكن كافيًا، فهم يحاصروننا أيضًا بمنع دخول البذور والأسمدة وأغطية البيوت البلاستيكية، مما يهدد الموسم الزراعي المقبل.”

انهيار قطاع الثروة الحيوانية

وفي تطور مرتبط، أكد المهندس عادل عبد الحميد البلبسي من إدارة الإنتاج الحيواني حدوث انهيار كامل في قطاع الدواجن. فقد اختفى اللحم الأبيض والبيض من الأسواق بعد قصف الحضائر والمزارع.
وقال البلبسي: “كنا ننتج ما يكفي للاستهلاك المحلي، أما الآن فكل شيء دُمّر—حتى المشاريع التي لم تبدأ بعد تم مسحها بالكامل.”

النهوض من تحت الركام

رغم الدمار، تواصل الجمعية الزراعية التنموية جهودها لإحياء القطاع.
قالت الدكتورة ناهض حماد، مدير برامج المشاريع في الجمعية، إن عدة اتفاقيات شراكة تم توقيعها مع منظمات دولية لتقديم الدعم المباشر للمزارعين، خصوصًا صغار المزارعين.
ومن بين هذه المبادرات: إنشاء مشاتل للنباتات وإطلاق مشاريع الزراعة المنزلية لمساعدة الأسر المتضررة على تحقيق الاكتفاء الذاتي.

صوت من الميدان

المزارع سعيد سليم أبو سليم من دير البلح فقد مزرعته التي تبلغ 40 دونمًا مرتين، كانت آخرها خلال العدوان الأخير. ما كان يومًا بيوتًا بلاستيكية منتجة أصبح الآن ركامًا، مما أزال مصدر دخله الوحيد.
وقال متألمًا: “تكبدت خسائر تجاوزت 20 ألف دينار، ولم أتلقَ أي دعم—لا من الجهات الرسمية ولا من المنظمات الدولية. انتظرت 20 عامًا بعد دمار 2000، وما زلت أنتظر.”
وأضاف أنه اضطر لبيع جزء من أرضه لإعادة تأهيل ما دُمّر، وحفر بئر جديد، وإعادة بناء البيوت البلاستيكية. ولكن الآن، بسبب ارتفاع التكاليف وغياب الدعم، لا يستطيع إعادة البناء.
وختم قائلاً: “أحيوا المزارع—لا تدعوه يموت. بدون دعمكم، لا أستطيع النهوض مرة أخرى.”

الزراعة تخنق… والأمن الغذائي في خطر

ما يحدث في غزة ليس مجرد تدمير للمزارع أو الأراضي الزراعية، بل هو هجوم ممنهج على الأمن الغذائي الفلسطيني. استهداف الزراعة اليوم هو محاولة لتجفيف منابع البقاء وتقويض قدرة الفلسطينيين على الصمود.

واختتم المهندس محمود مصباح قائلاً:
“ما يحدث الآن هو شهادة وفاة للقطاع الزراعي، والآلة الحربية الإسرائيلية تتحمل المسؤولية كاملة. نحن بحاجة عاجلة لتدخل فوري لإعادة هذا القطاع إلى الحياة قبل فوات الأوان. يجب توحيد كل الجهود لإعادة نبض الزراعة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى